ابن قيم الجوزية

67

الروح

المسألة السادسة ( وهي أن الروح هل تعاد إلى الميت في قبره وقت السؤال أم لا ) فقد كفانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أمر هذه المسألة ، وأغنانا عن أقوال الناس ، بحيث صرّح بإعادة الروح إليه ، فقال البراء بن عازب : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فقعد وقعدنا حوله ، كأن على رؤوسنا الطير وهو يلحد له ، فقال : « أعوذ باللّه من عذاب القبر » ثلاث مرات ، ثم قال : « إن العبد إذا كان في إقبال الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس ، فيجلسون منه مد البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من اللّه ورضوان ، قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا فيأخذها ، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجد على وجه الأرض قال : فيصعدون بها ، فلا يمرون بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب ؟ فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له ، فيفتح له ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللّه تعالى ، فيقول اللّه عز وجل : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، قال : فتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي اللّه ، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول اللّه ، فيقولان له : وما علمك بهذا ؟ فيقول : قرأت كتاب اللّه فآمنت به وصدقت ، فينادي مناد من السماء : أو صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنّة وافتحوا له بابا من الجنة ، قال : فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ، قال : ويأتيه رجل حسن الثياب طيب الريح فيقول : أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول له : من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير ، فيقول : أنا عملك الصالح ، فيقول : رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ، قال : وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه ، معهم